مجد الدين ابن الأثير
264
المختار من مناقب الأخيار
الْبَرِّ عشر سنين ، فما تركت شيئا من المخوفات ولا من المهالك إلّا رميت نفسي فيه ، مع الحرّ والبرد والجوع والعطش والسّباع ، وكان اللّه عزّ وجلّ يلطف بي ، وإحسانه إليّ ينجيني من ذلك كلّه ، فلما كان بعد عشر سنين قلت في نفسي : بقي البحر ؛ فجئت إلى صخرة مطلّة على البحر فقلت : ارم الآن نفسك في البحر ، فرأيتها بعد هذه السنين قد عجزت ، وتوقّفت فبكيت وتضرّعت إلى اللّه ، والتجأت إليه مستغيثا به وقلت : يا رب ! تعلم أنّها قد قطعت بي هذه السنين ، وكنت في حداثتي أحسن السباحة ، فقلت في نفسي : إن رميتها الساعة طلبت العادة من السباحة والبشرية ، فأخرج من حال الرّضا والتسليم إلى الطّبع والعادة ، فنزلت من الجبل إلى حشيش أعرفه ، ففتلت منه حبلين جيدين وصعدت بهما إلى فوق الجبل ، وشددت رجليّ بعضهما إلى بعض ، وعالجت يدي بأضراسي حتى شددتهما واستوثقت منهما ، ثم رميت نفسي في البحر ثلاث مرات ، كلّ مرّة أراني في المكان الذي رميت نفسي منه ، فحمدت اللّه تعالى على نعمه كثيرا . وقال : علم البقاء والفناء يدور على إخلاص الوحدانيّة وصحّة العبوديّة ، وما كان غير هذا فهو المغالط والزّندقة « 1 » . وقال : التوكّل سرّ بين العبد وبين اللّه تعالى ، فلا ينبغي أن يطّلع على ذلك السرّ أحد « 2 » . وقال : إنّ الخوف إذا سكن القلب أحرق مواضع الشهوات فيه ، وطرد عنه رغبة الدنيا « 3 » .
--> ( 1 ) طبقات الصوفية ص 404 ، وفيه « المغاليط » ، وفي سير أعلام النبلاء 15 / 393 : « المغالطة » وعلّق الذهبي بقوله : قلت : صدقت واللّه ، فإنّ الفناء والبقاء من ترّهات الصوفية ، أطلقه بعضهم ، فدخل من بابه كلّ إلحاديّ وكلّ زنديق ، وقالوا : ما سوى اللّه باطل فان ، واللّه تعالى هو الباقي ، وهو هذه الكائنات ، وما ثم شيء غيره . ( 2 ) طبقات الصوفية ص 404 . ( 3 ) طبقات الصوفية ص 404 وفيه زيادة وهي : « . . . وبعّده عنها ؛ فإن الذي قطعهم وأهلكهم محبة الراكنين إلى الدنيا » .